الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
188
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
ثمّ إنّ قوله عليه السّلام " ومن قصده توجه بكم " لا يختصّ في مقام العبادة كالصلاة ونحوها بل يعمّ ذلك ، وحاصله أنّ من قصده بقلبه وبحقيقته توجه بكم أي اتّصف بأن تخلَّى عن نفسه وتلبّس بوجهتكم أي بما أنتم وجه اللَّه ، وأخذ وجه اللَّه صفة لقلبه واتّصف به ، فإنّ هذا هو معنى التوجه بهم أي جعل وجهتهم التي هي وجه اللَّه تعالى متلبسة به ، وهذا لا يكون إلا بالفناء فيهم والدخول في عالم الخلسة والمحو عن حدوده الخلقية كما لا يخفى ولا ريب في أنه في تلك الحالة يعرف اللَّه تعالى بالنحو الذي تجلَّى هو تعالى فيهم عليهم السّلام كما تقدم بيانه من أنّ جماله تعالى وجلاله تجلَّى في مرآة وجودهم عليهم السّلام فهم بلحاظ المرآتية ومواجها إلى مرآتهم عليهم السّلام الفانية فيه تعالى فانعكس فيها ما انعكس منه تعالى في مرآتهم كما لا يخفى ، وهذا أمر تكويني ربما وصل إليه العارف مع عدم توجهه بهذه الجهات من الفناء والمواجهة كما لا يخفى ، رزقنا اللَّه تعالى ذلك بمحمد وآله . وأما الثاني أعني قوله : " نحن الأسماء الحسني التي لا يقبل اللَّه عملا إلا بمعرفتنا " . فنقول : إنّ لهذا الكلام معنيين : الأول : ما تقدم من أنّ معرفة اللَّه لا تحصل إلا بسبيل معرفتهم وبيانهم عليهم السّلام فإنهم العارفون بمعارفه تعالى كما تقدم بيانه في قوله : " السلام على محالّ معرفة اللَّه " . والثاني : أنه لا يقبل اللَّه تعالى من أحد عملا إلا إذا اتّصف بمعرفتنا وعرفنا حق المعرفة ، فإنه حينئذ يمكنه إتيان العمل كما يقبل اللَّه تعالى . وبعبارة أخرى : أنه لا يقبل اللَّه عملا من أحد إلا إذا عرف وعلم واعتقد ولايتنا ، التي هي ولاية اللَّه وقبلها بقبله ، فحينئذ إذا عمل بعمل عبادي وعرفنا هكذا قبل اللَّه تعالى منه عمله هذا . وقد يقال في شرح هذه الجمل الثلاث : إن قوله " من أراد اللَّه بدأ بكم " أي من أراد أن يعرف اللَّه قصدهم وبدأ بهم ، ليعرّفوه معرفة اللَّه وما يصحّ عليه ويمتنع ، لأنهم عليهم السّلام ألسنة إرادة اللَّه ولا يعرف مراد اللَّه تعالى إلا بتعليمه تعالى ولا يكون